أقيم الحفل تحت رعاية دولة رئيس مجلس الأعيان، الأستاذ فيصل الفايز، وبحضور شخصيات وطنية وأكاديمية وإعلامية بارزة، من بينهم رئيس مركز الأمن والسلم المجتمعي في مديرية الأمن العام، المقدم عمر الخلايلة، ونخبة من الأكاديميين والمفكرين.
وقال دولة السيد فيصل الفايز: “إن الأردن بقيادته الهاشمية قدّم نموذجًا فريدًا في الاعتدال والوسطية، وفي تبني الفكر المستنير لمواجهة التطرف والإرهاب”، مؤكدًا أن معركة الفكر لا تُكسَب إلا بالعلم والتربية الواعية. وأضاف أن ما قدمته الباحثة الزغول في كتابها يمثل جهدًا وطنيًا وعلميًا مهمًا يُسهم في حماية الأجيال من الانسياق وراء الخطابات المتطرفة، مشيرًا إلى أن مجلس الأعيان يولي أهمية كبيرة لمثل هذه المبادرات الفكرية التي تتقاطع مع الرؤية الملكية في تمكين الشباب فكريًا وثقافيًا.
وأوضح دولة الفايز أن “المؤسسات التربوية والإعلامية والأمنية مدعوة للعمل المشترك لتطبيق مثل هذا النموذج في المدارس والجامعات”، مؤكدًا أن “الوعي هو السلاح الأنجع في تحصين المجتمعات، وأن الاستثمار في الفكر هو الأساس لبناء مستقبل آمن ومستقر”.
وفي مداخلته العلمية، قدّم الدكتور الزيود قراءة نقدية تحليلية معمقة للكتاب والنموذج العلمي الذي تضمنه، مؤكدًا أن هذا العمل يشكل نقلة نوعية في الفكر التربوي العربي؛ لأنه يتناول ظاهرة التطرف العنيف من منظور علمي تربوي، وليس أمنيًا فقط، ويقدم حلولًا واقعية تستند إلى التعليم والتنشئة الفكرية السليمة.
وأوضح الدكتور الزيود أن المعالجة الفكرية للتطرف تبدأ من المدرسة والجامعة، عبر بناء بيئات تعليمية محفزة على التفكير الحر والمسؤول، وتزويد الطلبة بالقدرة على تحليل المعلومات وتمييز الخطاب المضلل، معتبرًا أن تمكين النشء من مهارات التفكير النقدي والوعي الرقمي والتفكير الوقائي هو الأساس لتحصينهم من الانجراف وراء الخطابات المتطرفة في الفضاء الإلكتروني.
وأشار إلى أن الكتاب الذي أعدته الباحثة الزغول يقدم أول نموذج عربي متكامل لمهارات التفكير المضاد للتطرف، ويقوم على منهج التعلم البنائي الذي يركز على تمكين المتعلم من اكتساب المعارف والمهارات عبر الممارسة والتطبيق الواقعي، وهو ما ينسجم تمامًا مع التوجهات الحديثة في التعليم وفلسفة كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية.
وبيّن الدكتور الزيود أن النموذج العلمي المقترح يقسم المهارات المطلوبة لمواجهة الفكر المتطرف إلى ثلاثة محاور رئيسية مترابطة، هي: المهارات العقلية المعرفية، وتشمل التفكير النقدي والتحليل والمقارنة والتمييز بين الرأي والمعلومة، وهي تمكّن المتعلم من فهم بنية الخطاب المتطرف وتفكيكه علميًا؛ ومهارات الوعي الرقمي والإعلامي، التي تمكّن من التعامل الواعي مع الرسائل الرقمية والإعلامية وفهم آليات التضليل والخداع في الفضاء الإلكتروني؛ والمهارات السلوكية والقيمية، التي تترجم التفكير الواعي إلى ممارسة عملية من خلال تعزيز ثقافة الحوار والتسامح واحترام التنوع ونبذ خطاب الكراهية.
وأضاف الدكتور الزيود أن هذا النموذج العربي يكتسب أهميته من كونه نتاج بيئة محلية وتجربة عربية أصيلة، جاء استجابة لاحتياجات المجتمع الأردني والعربي في ظل التحديات الفكرية الراهنة، مؤكدًا أن استيراد نماذج غربية جاهزة لا يحقق الفاعلية المرجوة؛ نظرًا للاختلافات الثقافية والقيمية للمجتمعات العربية التي تتطلب حلولًا تربوية نابعة من واقعها.
كما أشاد بالمنهجية البحثية المتبعة في إعداد الكتاب، والتي جمعت بين التحليل الأكاديمي والبحث الميداني والملاحظة التربوية، مؤكدًا أن الكتاب يمكن أن يشكل مرجعًا علميًا لتطوير المناهج والبرامج التدريبية، ومصدرًا مهمًا للمعلمين والباحثين وصناع القرار في مجالات التربية والإعلام والأمن المجتمعي.
وفي سياق متصل، ثمّن الدكتور الزيود جهود الباحثة الزغول في توظيف الإعلام كأداة تعليمية للتنوير الفكري، موضحًا أن التكامل بين المدرسة والجامعة والإعلام هو الطريق الأمثل لبناء حصانة فكرية جماعية ضد التطرف الرقمي وخطاب الكراهية. وأكد أن كلية العلوم التربوية بالجامعة الأردنية ماضية في تبني مبادرات وطنية في مجال التربية على التفكير النقدي والتربية الإعلامية، مشيرًا إلى أن الكلية أطلقت خلال الأعوام الأخيرة عددًا من البرامج التي تدمج مهارات التفكير الناقد في مقررات إعداد المعلمين.
وأشار إلى أن الجامعة الأردنية تتوافق في توجهاتها مع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب لعام 2014، التي أكدت على دور التعليم في تعزيز الأمن الفكري، داعيًا إلى توسيع تطبيق النموذج العلمي العربي الجديد عبر برامج وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي وهيئة الإعلام، لتأسيس نهج وطني موحد يربط التعليم بالأمن الفكري والمواطنة الرقمية المسؤولة.
وختم الدكتور الزيود مداخلته بالتأكيد على أن هذا العمل العلمي يعد إنجازًا عربيًا يستحق الدعم والاحتضان؛ لأنه يقدم للعالم نموذجًا معرفيًا منفتحًا ومتوازنًا ينطلق من القيم العربية الإسلامية الوسطية، داعيًا المؤسسات التربوية إلى تبني محتواه في الأنشطة اللاصفية والتدريبية. وأكد استعداد كلية العلوم التربوية للتعاون في تحويل مضامين الكتاب إلى حقائب تدريبية وبرامج تطبيقية تستهدف المعلمين والطلبة والإعلاميين، تعزيزًا لرسالة الجامعة الأردنية في خدمة المجتمع وحماية فكر الشباب.
وقد لاقت مداخلة الدكتور الزيود تفاعلًا واسعًا من الحضور، الذين عبّروا عن تقديرهم للطرح العلمي العميق الذي يربط بين التعليم والأمن الفكري، ويجعل من التربية أداة تنوير ومناعة فكرية، مؤكدين أن الجامعة الأردنية تواصل أداء دورها الريادي في قيادة الفكر التربوي العربي نحو الاعتدال والتنوير وبناء الإنسان الواعي القادر على حماية وطنه وفكره من الانغلاق والتطرف.
من جانبها، أكدت الإعلامية والباحثة سونيا الزغول أن كتابها “كيف يصلون إليك؟!” يقدم أول نموذج عربي بنائي متكامل لمهارات التفكير المضاد للتطرف، نابع من خصوصية البيئة الثقافية العربية ومستند إلى البحث العلمي الرصين والتطبيق التربوي الواقعي. وبيّنت أن العمل يهدف إلى دعم الاستراتيجية الوطنية الأردنية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف من خلال التعليم، موضحة أن الكتاب يتضمن خمسة فصول تغطي مفهوم الحماية الفكرية، وآليات التحول من التطرف إلى العنف، ودور الإعلام في المواجهة، وصولًا إلى تقديم النموذج البنائي العربي.
وأعلنت الزغول عن إطلاق سلسلة من ورش العمل والدورات التدريبية المستندة إلى محتوى الكتاب، والتي تستهدف المعلمين والإعلاميين والطلبة، بهدف نشر المهارات المضادة للتطرف في المؤسسات التعليمية والإعلامية، مؤكدة أن الاستثمار في التفكير النقدي والوعي الرقمي هو الدرع الحقيقي ضد التطرف، وأن هذا النموذج يسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار والفهم العميق في مواجهة التضليل والانغلاق الفكري.
وشهد الحفل تفاعلًا واسعًا من الحضور الذين عبّروا عن تقديرهم للمستوى العلمي والبحثي الرفيع الذي تضمنه الكتاب والمناقشات المصاحبة له، مؤكدين أن المشروع يمثل خطوة ريادية في مواجهة التطرف بالفكر والتعليم، ويجسد الشراكة الحقيقية بين الجامعة الأردنية ومؤسسات الدولة المختلفة في خدمة المجتمع وتعزيز الأمن الفكري. واعتبر الحضور أن هذا الحدث العلمي يشكل نقطة تحوّل في الفكر التربوي العربي، ويمثل نموذجًا للتكامل بين التعليم والإعلام والأمن في بناء وعي مجتمعي مستنير قادر على حماية الأجيال من التطرف والانغلاق الفكري.
بدوره، قدّم رئيس مركز الأمن والسلم المجتمعي في مديرية الأمن العام، المقدم عمر الخلايلة، مداخلة أشار فيها إلى أن الأمن الحقيقي يبدأ من التربية الواعية والوعي المجتمعي، مؤكدًا أن الكتاب يقدّم مقاربة تربوية جديدة تربط بين الأمن الفكري والأمن الاجتماعي. وأوضح أن النموذج العلمي الذي طرحته الباحثة الزغول يُسهم في تعزيز مهارات التفكير النقدي ومهارات التعامل مع الفضاء الرقمي لدى الشباب، مما ينعكس مباشرة على خفض مستويات التأثر بخطاب التطرف والعنف. كما أشاد الخلايلة بجهود الجامعة الأردنية وكلياتها التربوية في تطوير برامج تعليمية تدعم التفكير الناقد وتغرس قيم الانتماء والمواطنة الرقمية.